القرطبي
100
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
التاسعة عشرة - وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إزالة النجاسة ليست بواجبة ، لأنه قال : " إذ قمتم إلى الصلاة " ولم يذكر الاستنجاء وذكر الوضوء ، فلو كانت إزالتها واجبة لكانت أول مبدوء به ، وهو قول أصحاب أبي حنيفة ، وهي رواية أشهب عن مالك . وقال ابن وهب عن مالك : إزالتها واجبة في الذكر والنسيان ، وهو قول الشافعي . وقال ابن القاسم : تجب إزالتها مع الذكر ، وتسقط مع النسيان . وقال أبو حنيفة : تجب إزالة النجاسة إذا زادت على قدر الدرهم البغلي ( 1 ) - يريد الكبير الذي هو على هيئة المثقال - قياسا على فم المخرج المعتاد الذي عفي عنه . والصحيح رواية ابن وهب ، لان النبي صلى الله عليه وسلم قال في صاحبي القبرين : ( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله ) ولا يعذب إلا على ترك الواجب ، ولا حجة في ظاهر القرآن ، لان الله سبحانه وتعالى إنما بين من آية الوضوء صفة الوضوء خاصة ، ولم يتعرض لإزالة النجاسة ولا غيرها . الموفية عشرين - ودلت الآية أيضا على المسح على الخفين كما بينا ، ولمالك في ذلك ثلاث روايات : الانكار مطلقا كما يقوله الخوارج ، وهذه الرواية منكرة وليست بصحيحة . وقد تقدم . الثانية - يمسح في السفر دون الحضر ، لان أكثر الأحاديث بالمسح إنما هي في السفر ، وحديث السباطة يدل على جواز المسح في الحضر ، أخرجه مسلم من حديث حذيفة قال : فلقد رأيتني أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نتماشى ، فأتى سباطة قوم خلف ( 2 ) حائط ، فقام كما يقوم أحدكم فبال فانتبذت منه ، فأشار إلى فجئت فقمت عند عقبه حتى فرغ - زاد في رواية - فتوضأ ومسح على خفيه . ومثله حديث شريح بن هانئ قال : أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت : عليك بابن أبي طالب فسله ، فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألناه فقال : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة ، - وهي الرواية الثالثة - يمسح حضرا وسفرا ، وقد تقدم ذكرها .
--> ( 1 ) ذكر الدميري ضربا من النقود يقال لها البغلية ، قال : إن رأس البغل ضربها لعمر بن الخطاب بسكة كسروية . ( 2 ) السباطة الموضع الذي يرمى فيه التراب وما يكنس من المنازل ، وإضافتها إلى القوم إضافة تخصيص لا ملك ، لأنها كانت مواتا مباحة .